سلّطت الحلقة الثانية عشرة من مسلسل كان يا ما كان الضوء على قضية نفسية حساسة تُعرف باسم “التباعد الوالدي”، بعدما مُنع مصطفى، الذي يجسده ماجد الكدواني، من رؤية ابنته فرح، التي تؤدي دورها ريتال عبد العزيز، بسبب رفض والدتها داليا، التي تجسدها يسرا اللوزي، منحه هذا الحق.
المشهد لم يكن مجرد تصعيد درامي في مسلسل كان يا ما كان، بل عكس واقعًا نفسيًا تعيشه آلاف الأسر بعد الطلاق أو أثناء النزاعات الحادة، حيث يتحول الطفل إلى ساحة صراع صامتة بين الوالدين. وهنا يبرز مفهوم “التباعد الوالدي” الذي تناولته دراسات نفسية عدة، أبرزها تقارير منشورة في مجلة الصحة النفسية اليوم (بالإنجليزية: Psychology Today).
انضم إلى قناة بابونج المجانية على الواتساب نصيحة صحية يومية للحصول على نصائح طبية متنوعة يوميًا.
ما هو التباعد الوالدي؟ ولماذا يُعد خطيرًا؟
يُعرّف التباعد الوالدي بأنه سلوك يقوم فيه أحد الوالدين بتشويه صورة الطرف الآخر أمام الطفل، أو منعه من التواصل معه، بهدف كسب ولائه العاطفي أو الانتقام من الشريك السابق.
ورغم أن مسلسل كان يا ما كان طرح الظاهرة في سياق نزاع بعد الانفصال، فإن الدراسات تؤكد أنها قد تحدث حتى داخل الأسر غير المنفصلة، عندما يسعى أحد الطرفين للهيمنة العاطفية على الطفل، وتشمل أبرز سمات التباعد الوالدي ما يلي:
-
تقييد الوقت الذي يقضيه الطفل مع الوالد الآخر دون مبرر موضوعي.
-
إطلاق تعليقات سلبية متكررة عنه أمام الطفل.
-
تحميله مسؤولية الطلاق أو تفكك الأسرة.
-
توجيه اتهامات مبالغ فيها أو كاذبة بالإهمال أو الإساءة.
-
تهديد الطفل بحرمانه من المودة إذا أبدى مشاعر إيجابية تجاه الطرف الغائب.
اقرأ أيضًا: ما هو الطلاق النومي؟ وكيف يؤثر على العلاقة الزوجية؟

كيف يؤثر التباعد الوالدي على نفسية الطفل؟
تناول مسلسل كان يا ما كان الأثر العاطفي المباشر على الطفلة فرح، لكن الواقع قد يكون أكثر تعقيدًا وأشد وطأة.
تُظهر الأبحاث النفسية أن الأطفال المعرضين للتباعد الوالدي قد يعانون من:
-
تدني تقدير الذات: إذ يُقنع الطفل ضمنيًا بأن أحد والديه لا يريده أو لا يحبه.
-
الشعور بالذنب وكراهية الذات: نتيجة الصراع الداخلي بين حب الطرفين.
-
القلق والاكتئاب: بسبب فقدان العلاقة أو التهديد المستمر بفقدانها.
-
اضطرابات الهوية والانتماء: لأن الطفل يرى نفسه امتدادًا لكلا الوالدين.
-
مشكلات سلوكية مستقبلية: مثل صعوبة بناء علاقات مستقرة أو الثقة بالآخرين.
وفي بعض الحالات، قد يتطور الأمر إلى سلوكيات تعويضية غير صحية، خاصة في مرحلة المراهقة.
لماذا يجد الطفل نفسه عالقًا في المنتصف؟
الطفل بطبيعته يسعى للحفاظ على علاقة آمنة مع كلا الوالدين. وعندما يتعرض لرسائل متضاربة، مثل: “والدك لا يحبك” أو “أمك تخلت عنك”، يدخل في حالة من التوتر النفسي المزمن.
في هذا السياق، نجح مسلسل كان يا ما كان في تصوير الحيرة التي يعيشها الطفل عندما يُطلب منه ضمنيًا اختيار طرف على حساب الآخر. هذا النوع من الضغط العاطفي يخلق صراعًا داخليًا عميقًا، لأن حب أحد الوالدين لا يعني خيانة الآخر، لكن الطفل قد يُجبر على الشعور بذلك.
اقرأ أيضًا: تعلم تجاوز صدمة الخسارة من مسلسل صحاب الأرض!

كيف يمكن منع التباعد الوالدي بعد الطلاق؟
تؤكد الدراسات أن الأطفال يتعافون بشكل أفضل عندما يحافظ الوالدان على علاقة احترام متبادل، حتى بعد الانفصال.
لتحقيق ذلك، يُنصح بما يلي:
-
تجنب التقليل من شأن الطرف الآخر أمام الطفل.
-
عدم استخدام الطفل كوسيط لنقل الرسائل أو النزاعات.
-
إبعاد المشاجرات والنقاشات الحادة عن مسامعه.
-
اللجوء إلى استشارات أسرية عند تصاعد الخلاف.
-
دعم علاقة الطفل بالطرف الآخر ما لم توجد مخاطر حقيقية مثبتة.
الرسالة التي يقدمها مسلسل كان يا ما كان في هذا السياق واضحة: الخلاف بين الكبار لا يجب أن يتحول إلى عبء نفسي طويل الأمد على الصغار.
اقرأ أيضًا: لماذا تعاني نور من نوبات الهلع في مسلسل اتنين غيرنا؟

الدراما النفسية في مسلسل كان يا ما كان
تدور أحداث مسلسل كان يا ما كان حول طبيب أطفال ناجح مهنيًا، لكنه عاجز عن إنقاذ استقرار أسرته، في مفارقة درامية مؤلمة. العمل من تأليف شيرين دياب، وإخراج كريم العدل، وإنتاج أحمد الجنايني، ويشارك في بطولته عدد من النجوم من بينهم عارفة عبد الرسول ونهى عابدين.
من خلال هذا الطرح، ينجح مسلسل كان يا ما كان في تجاوز إطار الدراما التقليدية، ليطرح سؤالًا إنسانيًا عميقًا: من يحمي الأطفال عندما تتصارع المشاعر وتنهار العلاقات؟
اقرأ أيضًا: الابتزاز الإلكتروني في مسلسل حد أقصى.. قراءة نفسية لافتة!

خلاصة
في النهاية، لم تكن حلقة مسلسل كان يا ما كان مجرد مشهد درامي عابر، بل ناقوس خطر يذكّر بأن الصراع بين الوالدين قد يترك ندوبًا لا تُرى، لكنها تبقى طويلًا في ذاكرة الطفل ونفسيته.