شهدت الأسواق المصرية مؤخرًا حالة من القلق المتزايد بعد توالي حملات ضبط الأغذية المغشوشة؛ فبعد أيام قليلة من أزمة مادة ثاني أكسيد التيتانيوم في عصير القصب، فجرت الأجهزة الرقابية في محافظة بني سويف مفاجأة جديدة بضبط كميات من اللب والفول السوداني المحمّص والمصبوغ باستخدام مادة التارترازين. هذا التتابع السريع في المخالفات الغذائية أعاد إلى الواجهة تساؤلات ملحة حول طبيعة المواد التي تدخل جوف المواطن يوميًا تحت مسمى “التسالي”، ومدى التزام التجار بالمعايير الصحية القياسية، في هذا المقال نتعرف على مخاطر استخدام هذه المادة وكيف يمكن توخي الحذر عند التسوق.
انضم إلى قناة بابونج المجانية على الواتساب نصيحة صحية يومية للحصول على نصائح طبية متنوعة يوميًا
ما هي مادة التارترازين وما حدودها الآمنة؟
عند الحديث عن الملونات الصناعية، تبرز مادة التارترازين والمعروفة دولياً بالرمز (E102) كواحدة من أشهر الصبغات المستخدمة لمنح الأغذية لونًا أصفرًا براقًا أو برتقاليًا جاذبًا، غير أن العشوائية في استخدامها هي ما يحولها من مادة مضافة إلى مصدر خطر حقيقي.
وفقًا لتقارير المعهد الوطني للصحة (NIH) وهيئات سلامة الغذاء العالمية، فإن هناك محددات صارمة تحكم التعامل مع هذه المادة:
-
الجرعة اليومية المقبولة: تُقدّر بحوالي 7.5 ملغم لكل كيلوغرام من وزن الجسم كحد أقصى لا يجوز تخطيه.
-
الهدف التصنيعي: تُستخدم في قطاعات الحلوى والمشروبات الغازية لتعويض الفاقد من اللون الطبيعي أثناء التصنيع، وليس لإخفاء عيوب الرداءة في المنتجات.
-
أزمة الأسواق الشعبية: تكمن المشكلة الكبرى في قيام المحامص والمحال غير المرخصة بإضافة الصبغة بنسب عشوائية دون موازين دقيقة، مما يجعل استهلاك كمية صغيرة من اللب أو الفول السوداني كفيلاً بتجاوز الحد الآمن للجرعة اليومية.
اقرأ أيضًا: إغلاق محل تسالي في بني سويف.. ضبط مادة التارترازين يثير جدلًا حول سلامة الأغذية

مخاطر صحية تدق ناقوس الخطر
لا يتوقف تأثير الإفراط في تناول المنتجات المحتوية على مادة التارترازين عند الأعراض اللحظية، بل يمتد إلى مشكلات صحية مزمنة أثبتتها الدراسات الإكلينيكية، وتزداد خطورتها بشكل خاص على الفئات الحساسة والأطفال.
تشير الأبحاث الطبية المدعومة من هيئة سلامة الأغذية الأوروبية (EFSA) إلى عدة تأثيرات مباشرة:
-
اضطرابات سلوكية لدى الأطفال: ترتبط صبغة (E102) ارتباطًا وثيقًا بزيادة معدلات بفرط الحركة ونقص الانتباه (اختصارًا: ADHD) لدى الأطفال الذين يفرطون في تناول المسليات الملونة.
-
التحسس الجلدي والتنفسي: تسبب المادة تهيجًا حادًا يظهر على شكل طفح جلدي أو نوبات ربو، لا سيما لدى الأشخاص الذين يعانون أصلًا من حساسية تجاه الأسبرين.
-
الصداع النصفي المزمن: رصدت الدراسات السمومية الإكلينيكية أن استهلاك كميات غير منضبطة من الملونات الصناعية يحفز نوبات الشقيقة بشكل متكرر.
-
إجهاد الكبد والكلى: عند الاستهلاك المزمن لفترات طويلة، تقع مهمة التخلص من مركبات الآزو (بالإنجليزية: Azo dyes) على عاتق الكبد، مما قد يتسبب في قصور وظائفه بمرور الوقت نتيجة العبء السمّي الزائد.
اقرأ أيضًا: ما لا تعرفه عن ملونات الطعام: خطر مخفي في طبقك اليومي!

مادة ثاني أكسيد التيتانيوم في عصير القصب
أما فيما يتعلق بمادة ثاني أكسيد التيتانيوم، والتي فجّرت الأزمة الأولى في محال عصير القصب، فهي مركب كيميائي يُرمز له عالمياً بالرمز (E171)، ويُستخدم في الأصل كصبغة بيضاء فائقة النصوع لمنح المنتجات مظهرًا “كريميًا، وتكمن الخطورة الطبية في هذه المادة عند إضافتها لعصير القصب في عدة نقاط محورية:
-
حظر دولي صريح: أعلنت هيئة سلامة الأغذية الأوروبية (EFSA) أن مادة ثاني أكسيد التيتانيوم لم تعد تُعدّ آمنة للاستخدام كملون غذائي، وذلك بعد ثبوت احتمالية تسببها في سمية جينية (بالإنجليزية: Genotoxicity)، مما يعني قدرتها على إتلاف الحمض النووي (DNA) داخل الخلايا البشريّة.
-
غش تجاري وتضليل: يلجأ بعض باعة عصير القصب غير المنضبطين إلى إضافة هذه المادة لتفتيح لون العصير الداكن أو لإخفاء علامات تأكسده وتلفه، مما يمنح الزبون انطباعًا زائفًا بأن العصير طازج ونقي.
-
التراكم الحيوي داخل الجسم: تتميز الجزيئات الدقيقة لثاني أكسيد التيتانيوم بقابليتها للتراكم في الأنسجة الحيوية مثل الأمعاء، الكبد، والطحال بعد امتصاصها، مما قد يؤدي على المدى الطويل إلى تحفيز الالتهابات المزمنة وزيادة احتمالات الأورام السرطانية.
اقرأ أيضًا: 10 من الأطعمة المحتوية على الكثير من السكر المخفي في حياتنا اليومية

سبل الوقاية ودور الرقابة في حماية المستهلك
إن مواجهة فوضى المضافات الغذائية تتطلب تضافرًا عاجلًا بين تشديد الرقابة الحكومية ورفع وعي المستهلك؛ فالمسألة لم تعد مجرد لون جذاب، بل أصبحت تمس السلامة الجسدية للأجيال القادمة بشكل مباشر.
لحماية عائلتك من التأثيرات السلبية للملونات الصناعية، ينصح الخبراء باتباع الآتي:
-
مقاطعة الألوان الفاقعة: تجنب شراء اللب أو الفول السوداني، أو المقرمشات ذات الألوان الصفراء الفوسفورية أو غير الطبيعية.
-
قراءة الملصقات الغذائية: التدقيق في قائمة المكونات والابتعاد عن المنتجات التي تدرج الرمز (E102) أو تذكر صراحة احتواءها على مادة التارترازين.
-
الاعتماد على البدائل الطبيعية: تشجيع الأطفال على تناول الأطعمة الطازجة والمكسرات النيئة أو المحمصة بدون إضافات صبغية.
-
الإبلاغ عن المخالفات: تفعيل دور المواطن الإيجابي بالتواصل مع جهاز حماية المستهلك عند رصد أي محال تستخدم مواد مجهولة المصدر لتلوين الأغذية.

يبقى ملف التارترازين في الأغذية جزءًا من النقاش العالمي حول سلامة الإضافات الغذائية، حيث يجمع الخبراء على أن الاستخدام المسموح لا يعني غياب المخاطر، بل إن الالتزام بالمعايير الرقابية والاستهلاك المعتدل يمثلان خط الدفاع الأساسي لحماية الصحة العامة، خصوصًا لدى الفئات الأكثر عرضة للتأثر مثل الأطفال.
ملخص المقال بالذكاء الاصطناعي