في السنوات الأخيرة، تصدّر العلاج بالماء البارد مشهد الاتجاهات الصحية، من حمامات الثلج التي يعتمدها الرياضيون المحترفون إلى الاستحمام البارد اليومي الذي يروّج له مؤثرو اللياقة. وبين الحماس الشعبي والتحفّظ العلمي، بدأ الباحثون في طرح سؤال جوهري: هل يحمل هذا الأسلوب فوائد صحية مثبتة فعلًا، أم أنه مجرد موضة عابرة؟
دراسة حديثة أجرتها جامعة جنوب أستراليا حاولت الإجابة عن هذا السؤال من خلال مراجعة علمية شاملة، كاشفةً عن نتائج متوازنة تجمع بين الفوائد المؤقتة وبعض التحفظات المهمة.
انضم إلى قناة بابونج المجانية على الواتساب نصيحة صحية يومية للحصول على نصائح طبية متنوعة يوميًا
ماذا تقول الدراسات عن العلاج بالماء البارد؟
لفهم التأثيرات الفعلية، قام الباحثون بتحليل بيانات 11 دراسة علمية شملت 3177 مشاركًا، وركّزوا على مؤشرات رئيسية مثل:
-
مستويات التوتر
-
جودة الحياة العامة
-
معدلات الغياب عن العمل بسبب المرض
النتائج أظهرت صورة أكثر تعقيدًا مما يُروّج له على منصات التواصل.

تخفيف التوتر.. تأثير مؤقت ولكن ملموس
أشارت النتائج إلى أن الغمر في الماء البارد يمكن أن يقلل مستويات التوتر لمدة تصل إلى 12 ساعة بعد التعرض.
كيف يحدث ذلك؟
-
التعرض المفاجئ للبرودة ينشّط الجهاز العصبي الودي.
-
يرتفع معدل ضربات القلب مؤقتًا.
-
يُفرز الجسم هرمونات مثل الأدرينالين والنورأدرينالين.
-
يعقب ذلك إحساس باليقظة وتحسن في المزاج.
غير أن الباحثين شددوا على أن هذا التأثير قصير الأمد، ويعتمد على السياق الفردي والحالة الصحية للشخص.
اقرأ أيضًا: علاج الضغط النفسي بالضحك: ابتسامتك أقوى من التوتر

النوم وجودة الحياة.. تحسن طفيف يحتاج إلى استمرارية
المشاركون الذين اعتمدوا الاستحمام البارد لمدة تتراوح بين 20 و90 ثانية يوميًا أبلغوا عن:
-
تحسن طفيف في جودة الحياة.
-
شعور أفضل بالنشاط العام.
-
زيادة الإحساس بالقدرة على التحمل.
لكن اللافت أن هذه الفوائد تراجعت بعد نحو ثلاثة أشهر لدى بعض المشاركين، ما يشير إلى أن الاستمرارية أو التكيف الجسدي قد يحدّ من التأثير مع الوقت.
اقرأ أيضًا: تحذير: قلة النوم قد تسبب الوفاة! وهذا ما حدث مع يوتيوبر كوري شهير

هل يقلل العلاج بالماء البارد من المرض؟
إحدى الدراسات التي شملها التحليل أشارت إلى انخفاض بنسبة 29% في عدد أيام الغياب عن العمل بسبب المرض لدى من يمارسون الاستحمام البارد بانتظام.
ماذا يعني ذلك؟
-
قد يكون هناك تحفيز مؤقت لجهاز المناعة.
-
ربما يعزز التعرض للبرد قدرة الجسم على التكيف مع الضغوط البيئية.
-
لكن لا توجد أدلة كافية لتأكيد علاقة سببية مباشرة.
حتى الآن، لا تزال الآليات البيولوجية الدقيقة غير مفهومة بالكامل، وهو ما يستدعي مزيدًا من الأبحاث السريرية واسعة النطاق.

الاستجابة الالتهابية.. مفارقة علمية
أوضح الباحثون أن العلاج بالماء البارد يسبب زيادة مؤقتة في مؤشرات الالتهاب. قد يبدو هذا متناقضًا، خاصة أن حمامات الثلج تُستخدم لتقليل الالتهاب بعد التمرين.
التفسير العلمي المحتمل:
-
التعرض الحاد للبرد يُعدّ “ضغطًا فسيولوجيًا”.
-
هذا الضغط يحفّز استجابة التهابية قصيرة الأمد.
-
بمرور الوقت، قد يعزز ذلك قدرة الجسم على التكيف وإصلاح الأنسجة.
هذه الفرضية تتماشى مع مفهوم “التحفيز الهرموني أو الإنهاض” (بالإنجليزية: Hormesis)، أي أن التعرض لجرعات صغيرة من الإجهاد قد يعزز المقاومة البيولوجية.
اقرأ أيضًا: هل توجد علاقة بين وقت النوم وذكاء المراهقين؟
من يجب أن يتجنب العلاج بالماء البارد؟
رغم ما تشير إليه بعض الدراسات من فوائد محتملة لاستخدام العلاج بالماء البارد في تقليل التوتر أو تعزيز الشعور بالنشاط، إلا أن هذه الممارسة ليست مناسبة للجميع. فالتعرض المفاجئ لدرجات حرارة منخفضة يُحدث تغيرات فسيولوجية سريعة في الجسم، قد تكون مرهقة أو حتى خطرة لدى بعض الفئات.
فيما يلي الفئات التي يجب أن تتوخى الحذر، مع توضيح الأسباب العلمية وراء ذلك:
-
المصابون بأمراض القلب: التعرض المفاجئ للماء البارد يؤدي إلى ما يُعرف باسم “صدمة البرد”، حيث يرتفع معدل ضربات القلب بسرعة ويحدث تضيق حاد في الأوعية الدموية. هذا التغير المفاجئ قد يزيد العبء على عضلة القلب، ويرفع خطر اضطرابات النظم القلبي أو الذبحة الصدرية لدى من يعانون من أمراض الشرايين التاجية أو قصور القلب.
-
من يعانون من اضطرابات ضغط الدم: البرودة الشديدة تسبب انقباض الأوعية الدموية، ما يؤدي إلى ارتفاع مفاجئ في ضغط الدم. لدى الأشخاص المصابين بارتفاع ضغط الدم غير المنضبط، قد يشكل ذلك خطرًا إضافيًا، خاصة إذا لم تكن حالتهم مستقرة دوائيًا. أما من يعانون من انخفاض ضغط الدم، فقد يتعرضون لدوخة مفاجئة أو إغماء نتيجة التغير السريع في الدورة الدموية.
-
مرضى الأمراض الالتهابية المزمنة: رغم أن حمامات الثلج تُستخدم أحيانًا لتخفيف الالتهاب بعد التمارين، فإن التعرض الحاد للبرد يثير في البداية استجابة التهابية مؤقتة. لدى مرضى أمراض المناعة الذاتية أو الالتهابات المزمنة، قد تؤدي هذه الاستجابة إلى تفاقم الأعراض أو زيادة الشعور بالألم والتيبس.
-
من لديهم مشاكل في الدورة الدموية: الأشخاص الذين يعانون من ضعف تدفق الدم إلى الأطراف، مثل مرضى ظاهرة رينود أو اعتلال الأوعية الطرفية، قد تتفاقم لديهم الأعراض مع التعرض للبرد. إذ يمكن أن يؤدي تضيق الأوعية إلى تنميل، ألم شديد، أو تغير لون الجلد في اليدين والقدمين.
-
كبار السن أو من يعانون من ضعف عام في الصحة: مع التقدم في العمر، تقل قدرة الجسم على التكيف السريع مع التغيرات الحرارية. الاستجابة المفاجئة للبرد قد تؤثر على التوازن، ضغط الدم، أو حتى تسبب إجهادًا غير مرغوب فيه للجهاز القلبي الوعائي.
اقرأ أيضًا: تحذير طبي: 3 عناصر سامة في غرفة النوم تهدد صحتك!
لماذا يشكل الماء البارد خطرًا في هذه الحالات؟
عند ملامسة الماء البارد للجسم:
-
يحدث تضيق سريع في الأوعية الدموية.
-
يرتفع ضغط الدم بشكل مفاجئ.
-
يتسارع معدل ضربات القلب.
-
يزداد إفراز هرمونات التوتر مثل الأدرينالين.
هذه التغيرات طبيعية لدى الأشخاص الأصحاء، لكن لدى الفئات المذكورة قد تتحول من استجابة تكيفية إلى عبء صحي حقيقي.
نصيحة طبية مهمة
قبل تجربة العلاج بالماء البارد، خاصة إذا كنت تعاني من حالة صحية مزمنة أو تتناول أدوية للقلب أو ضغط الدم، من الضروري استشارة الطبيب. كما يُنصح، إن تمت الموافقة الطبية، بالبدء تدريجيًا بدلًا من التعرض المفاجئ لدرجات حرارة منخفضة جدًا.
الصحة لا تُقاس بمدى تحمل الصدمات الجسدية، بل بمدى ملاءمة الممارسات لاحتياجات كل جسم على حدة.
خلاصة
يمكن القول إن العلاج بالماء البارد ليس معجزة صحية، لكنه أيضًا ليس مجرد وهم تسويقي. الأدلة الحالية تشير إلى:
-
فائدة قصيرة الأمد في تخفيف التوتر.
-
تحسن طفيف في جودة الحياة لدى بعض الأشخاص.
-
احتمال تقليل أيام المرض، مع حاجة لمزيد من الدراسات.
-
مخاطر محتملة لفئات معينة.
في النهاية، يبقى القرار فرديًا، ويُفضّل استشارة الطبيب قبل إدخال أي ممارسة جديدة قد تؤثر في التوازن الفسيولوجي للجسم، خاصة لدى من يعانون من حالات صحية مزمنة.