في حوار مع بابونج، يقدّم د. عمر حنيف، استشاري أمراض القلب المقيم في السويد، قراءة علمية دقيقة لتجربة بلاده في تقليل الأضرار المرتبطة بالتدخين، مستندًا إلى بيانات وبحوث طويلة الأمد، بعيدًا عن الترويج أو تبسيط المخاطر.
ويؤكد منذ البداية أن الإقلاع الكامل عن التدخين هو الخيار الطبي الأفضل دائمًا، وأن ما يُعرف بـ«تقليل الضرر» لا يُطرح إلا عندما يفشل الامتناع التام، ويهدف إلى خفض المخاطر الصحية المرتبطة بالاستمرار في التدخين لا إلغائها.
انضم إلى قناة بابونج المجانية على الواتساب نصيحة صحية يومية للحصول على نصائح طبية متنوعة يوميwا.
ما المقصود بتقليل ضرر التبغ؟
يعرّف د. حنيف «تقليل ضرر التبغ» من منظور سريري بأنه خفض المخاطر الصحية المرتبطة بالتدخين دون إلغائها بالكامل، وهو نهج يُستخدم فقط عندما تفشل محاولات الإقلاع التام. ويشترط هذا النهج الاستبدال الكامل للسجائر بمنتج لا يعتمد على عملية الحرق ، وليس الاستخدام المزدوج بينهما.
فالاحتراق، بحسبه، هو جوهر المشكلة الصحية؛ إذ تطلق السجائر آلاف المواد السامة، مع ارتباط سببي قوي بسرطان الرئة ومرض الانسداد الرئوي المزمن وأمراض القلب. في المقابل، فإن المنتجات التي لا تعتمد على عملية الحرق تزيل التعرض للدخان من الأساس.

لماذا نجحت السويد؟
يوضح د. حنيف أن انتشار «السنوس» (أكياس التبغ) في السويد لم يكن مصادفة. فقد انسجم مع عدة عوامل متداخلة:
- ملاءمته للمناخ
- ترسخه ثقافيًا
- تطوره صناعيًا
- والنظر إليه كبديل أقل ضررًا من التدخين
وعلى مدار عقود، ترافقت معدلات مرتفعة من استخدام السنوس مع انخفاض كبير في التدخين. اليوم، لا تتجاوز نسبة المدخنين اليوميين في السويد 5.4%، مقابل نحو 20.8% من الاستخدام اليومي لمنتجات التبغ أو النيكوتين، ما خلق بيئة وبائية فريدة للدراسة والتحليل. ويرتبط هذا التحول بانخفاض معدلات الوفيات المرتبطة بالتبغ بين الرجال في السويد، حيث بلغت 72 حالة وفاة لكل 100,000 شخص في 2019. كما شهدت البلاد انخفاضًا ملحوظًا في معدلات الإصابة بسرطان الرئة بين الرجال، لتصل إلى 17.4 حالة لكل 100,000 4شخص في 2020، ما يعزز دور السياسات التي سمحت بتوفر بدائل أقل ضرراً مقارتة بالسجائر.
التعليم والوعي: عامل حاسم
يشدد د. حنيف على أن أحد الأسباب الجوهرية لانخفاض التدخين، خصوصًا بين الرجال، هو الوعي المبكر. ففي السويد، تتضمن المناهج المدرسية تعليمًا واضحًا حول مخاطر التدخين ، ما خلق وعيًا صحيًا مجتمعيًا يفرّق بين الامتناع الكامل وتقليل الضرر، ويمنع تطبيع استخدام النيكوتين لدى غير المدخنين.
ماذا تقول البيانات الصحية عن الرئة؟
تشير الأدلة الوبائية إلى أن:
- الغالبية العظمى من حالات سرطان الرئة تعود إلى التدخين
- هناك علاقة جرعة–استجابة واضحة مع التعرض للدخان
- لا يوجد استنشاق في حالة السنوس (أكياس التبغ)
وفي دراسات طويلة الأمد، لم يُسجل ارتباط ثابت بين استخدام السنوس وسرطان الرئة، مع مخاطر أقل بكثير مقارنة بالتدخين، وهو ما يُعد منطقيًا من منظور فيزيولوجيفي غياب الاستنشاق.
اقرأ أيضًا: خدعوك فقالوا أن الفيب آمن..تعرف على حقائقه الصادمة
السنوس والجهاز التنفسي
يوضح د. حنيف أن أمراض الجهاز التنفسي المزمنة، وعلى رأسها الانسداد الرئوي المزمن، ترتبط أساسًا بالإصابة الناتجة عن الاستنشاق المزمن والتهاب الشعب الهوائية. وبما أن السنوس لا يُستنشق، لم تُظهر الدراسات ارتباطًا مقنعًا بينه وبين هذه الأمراض، مع مستويات خطر تقترب من غير المدخنين، وبفارق واضح مقارنة بالمدخنين.
أكياس النيكوتين: أقل ضررًا لا أكثر
يؤكد د. حنيف أن أكياس النيكوتين ليست خالية من المخاطر، لكنها أقل ضررًا من السجائر. فهي لا تحتوي على التبغ، ولا تُنتج أخطر المواد المسرطنة المرتبطة بعملية الاحتراق، مثل القطران وأول أكسيد الكربون والنيتروزامينات الخاصة بالتبغ، وإن وُجدت آثار ضئيلة من مركبات أخرى، فهي بمستويات منخفضة جدًا. من المهم أن نفهم أن الخطر الأكبر يأتي من عملية حرق التبغ، وليس من النيكوتين بحد ذاته، الذي، على الرغم من كونه مادة مسببة للإدمان وله تأثيرات مؤقتة على معدل ضربات القلب وضغط الدم، إلا أنه لا يصنف كمادة مسرطنة (وفقاً الخدمات الصحية في المملكة المتحدة (NHS)و ادارة الغذاء و الدواء الامريكية (FDA)و الجامعة الملكية البريطانية (RCP)و غيرها).
ويعيد التأكيد هنا: هذه المنتجات غير مخصصة لغير المدخنين أو الشباب، ولا ينبغي النظر إليها كمنتجات خالية من المخاطر.
اقرأ أيضًا: الإقلاع عن التدخين في رمضان هو فرصتك الحقيقية
فروق لا يمكن تجاهلها مع منتجات تقليدية أخرى
ينبّه د. حنيف إلى أن بعض منتجات التبغ الفموي التقليدية، مثل «الشمة» و«القاتكا»، تحتوي على نسب مرتفعة من النيتروزامينات وتُعد غير منظمة في كثير من الحالات. وترتبط هذه المنتجات ارتباطًا مباشرًا بسرطان الفم والبلعوم وآفات ما قبل سرطانية، ولا يمكن مقارنتها علميًا أو صحيًا بالسنوس السويدي.
الخلاصة
يختتم د. عمر حنيف بالتأكيد على أن الإقلاع الكامل عن التدخين يظل الخيار الصحي الأمثل. لكن عندما لا يتحقق ذلك، تُظهر التجربة السويدية، بحذر علمي، أن الانتقال من منتجات قابلة للاحتراق إلى بدائل غير مستنشقة قد يقلل بشكل كبير من الأضرار الصحية، شرط وضوح الرسائل الصحية، ومنع الاستخدام المزدوج، وحماية غير المدخنين من البدء.