يعتبر التحرش الجنسي بالأطفال من أخطر القضايا الحساسة التي تؤثر على سلامة الطفل الجسدية والنفسية، كما أنها تؤثر بالسلب على ثقته بنفسه وبالآخرين وتعيق النمو النفسي والجنسي بصورة سليمة، ورغم حساسية التحدث عن هذا الموضوع في أغلب مجتمعاتنا العربية إلا أن السكوت عنه يزيد من خطورة الأزمة ويؤخر الكشف المبكر لوقوع الاعتداء.
إن التوعية الصحية والنفسية السليمة القائمة على معلومات صحيحة تساعد الأسر ومقدمي الرعاية للأطفال على فهم طبيعة الاعتداء الجنسي على الأطفال، بالإضافة إلى التعرف على العلامات التحذيرية من وقوع مثل هذه الاعتداءات وكيفية اتخاذ إجراءات وقائية تحمي أطفالنا من الانتهاك الجنسي وتمنحهم بيئة آمنة للنمو الصحي.
الهدف من هذا المقال تقديم معلومات دقيقة ومبسطة تدعم الأهل ومقدمي الرعاية للأطفال والمجتمع لحماية الأطفال من التحرش الجنسي، وتعزيز ثقافة الحوار الآمن بين الطفل وذويه لاتخاذ الإجراءات الاحترازية اللازمة في الوقت المناسب.
انضم إلى قناة بابونج المجانية على الواتساب نصيحة صحية يومية للحصول على نصائح طبية متنوعة يوميًا.
ما هو التحرش الجنسي بالأطفال؟
ينبغي علينا في البداية تعريف التحرش الجنسي بالأطفال؛ وهو أي سلوك أو تصرف ذو طبيعة جنسية يفرض على الطفل دون الوعي به أو الموافقة عليه وقد يكون ذلك بالتلامس الجسدي المباشر أو غير المباشر.
أمثلة قد تندرج ضمن التحرش الجنسي بالأطفال:
- تحرش جسدي: تلامس جسدي غير مناسب لمناطق حساسة من جسد الطفل سواء بالتقبيل والاحتضان أو إقامة علاقة جنسية.
- تحرش بصري: إجبار الطفل أو تشجيعه على مشاهدة محتوى جنسي (سواء فيديوهات، أو صور، أو مشاهد جنسية حقيقية).
- تحرش سمعي: سماع حديث جنسي، وإجراء محادثات ذات طابع جنسي أو التلفظ بألفاظ أو إيحاءات جنسية.
- تحرش إلكتروني: استغلال الطفل عبر الإنترنت أو وسائل التواصل الاجتماعي لأغراض غير مقبولة وغير مناسبة لعمره، أو تصويره في أوضاع غير مقبولة للاتجار بها على المواقع غير المشروعة مثل الدارك ويب “Dark Web”، أو نشر ألعاب إلكترونية تعرض الأطفال للانتهاك الجنسي مثل لعبة روبلوكس “Roblox”.

كيف أعرف إذا تعرض ابني للتحرش الجنسي؟
ثلاث فئات أساسية للمؤشرات التي تندرج منها علامات التعرض للتحرش الجنسي بالأطفال، ومن أهم العلامات المبكرة لاكتشاف التحرش الجنسي نذكر التالي:
مؤشرات سلوكية ونفسية قد تدل على احتمالية حدوث التحرش الجنسي بالأطفال
- البكاء المتواصل أو الخوف الشديد أو نوبات الذعر والقلق.
- الصمت على غير العادة، وسرعة الانفعال وزيادة شهيته للطعام أو نقصانها، وارتداده إلى عادات كان قد كف عنها.
- الغضب المتكرر وغير المبرر.
- عدم الرغبة أو الخوف من البقاء في رعاية شخص بعينه والتشبث بأبويه، وتهربه من في الخوض في تفاصيل الوقت الذي يقضيه مع هذا الشخص.
- التعلق المفرط بأحد الأبوين على غير العادة وهذا يدل على محاولة الطفل البحث عن الأمان المفقود.
- الصعوبة في التركيز و انعدام الثقة في النفس.
- تغير مفاجيء في الطباع الشخصية من الممكن أن يتحول الطفل من طفل اجتماعي إلى طفل خجول جدًا أو من طفل مرح إلى طفل خائف ومتوتر.
- الرسم أو اللعب أو التعبير عن أفكار جنسية بدون التحدث المباشر عنها كنوع من أنواع التعبير عما يدور بداخله.
- اضطرابات النوم والكوابيس.
- التبول اللاإرادي أثناء النوم.
- التبرز بالملابس على غير العادة.
- المعرفة الجنسية غير المتوقعة مقارنة بعمره أو بمستوى نموه.
- التعبير عن أفكار انتحارية أو الرغبة في إيذاء النفس خاصة عند المراهقين.

مؤشرات اجتماعية قد تدل على احتمالية حدوث التحرش الجنسي بالأطفال
- الانطواء المفاجيء والابتعاد عن الناس أو عن الأبوين وأفراد الأسرة.
- فقدان الثقة في الآخرين أو الرهاب الاجتماعي.
- تصرفات وسلوكيات عدوانية تجاه أفراد الأسرة أو المجتمع الخارجي.
- كثرة الغياب والتعثر الدراسي وانخفاض تحصيل الدرجات.
شاهد أيضًا: اضطراب القلق عند الأطفال: دليل الأهل لفهم المشكلة ومساعدة الطفل
مؤشرات جسدية قد تدل على احتمالية حدوث التحرش الجنسي بالأطفال
- الإصابات الجسدية مثل وجود آثار اعتداء على الجسم مثل كدمات خدوش أو سحجات.
- الالتهابات، الألم، الاحمرار أو صعوبة المشي في المناطق الحساسة “مؤشر خطير”.
- الأمراض الجنسية أو وجود إفرازات غير طبيعية أو روائح غير معتادة أو عدوى منقولة جنسيًا (مثل مرض السيلان أو الهربس التناسلي) خاصة في سن الطفولة.
- ملابس داخلية ممزقة أو ملطخة بدون سبب واضح.
- الحمل غير المرغوب فيه (للإناث).
مؤشرات التعرض للتحرش الإلكتروني
- قضاء وقت أطول من المعتاد على الإنترنت سواء عبر مواقع التواصل الإلكتروني أو الألعاب التي يتم من خلالها التواصل مع أشخاص غرباء مثل لعبة روبلوكس التي أثارت جدلا حول خطورتها وتم حظرها في كثير من الدول.
- يبدو الطفل منعزلًا أو متغير السلوك بعد استخدام الانترنت.
- يتكتم على ما يدور أثناء التواصل الإلكتروني وعن الأشخاص الذين تواصل معهم.
- السلوك السري مثل إخفاء الشاشات عند دخول الغرفة أو محاولة الاتصال بالأنترنت بعيدًا عن الرقابة.
- فقدان الاهتمام بالأصدقاء والأنشطة المعتادة والتفاعل مع أفراد العائلة.

كيف أحمي طفلي من خطر التعرض للتحرش الجنسي؟
من الضرورة معرفة سبل الوقاية من التحرش الجنسي بالأطفال؛ تساهم النصائح التالية في زيادة وعي طفلك وحمايته من أي تحرش محتمل:
- استمع إلى طفلك وقدم له بيئة آمنة للحوار ليفصح لك عما يدور بداخله، فنادرًا ما يختلق الأطفال قصصًا وهمية عن التحرش.
- دع الطفل يعرف بأن جسده ملك له، وتحدث معه عن الفرق بين اللمسات الآمنة وغير الآمنة.
- كن حذرًا إذا أراد شخص بالغ قضاء الوقت بمفرده مع طفلك.
- كن حذرًا من الأشخاص الذين يتوددون لطفلك أو يبالغون في الحنان أو الكرم أو تقديم الهدايا له، وأخبره بخطورة قبول ذلك وعدم الثقة في الأشخاص الغرباء.
- راقب سلوكيات طفلك فقد ترى منه رد فعل اتجاه أحد الأشخاص يدل على تعرضه لسلوك غير سليم.
- أخبر طفلك بضرورة التوجه إلى شخص أمين تثق به (أو الشخص المسؤول في المكان) في حال غيابك إذا حاول أي شخص لمس أعضائه الخاصة أو القيام معه بأي تصرف غير مريح.
- درب طفلك على كيفية التصرف بحزم لكي ينقذ نفسه من العنف الذي يتعرض له، أو الموقف المخيف أو غير المريح، مثل أن يتعلم قول “لا” أو “توقف” بصوت عالي.
- قم بخطوات جدية وتمارين عملية لتعزيز الثقة بالنفس والقدرة على المواجهة لدى الطفل.
- استخدم الألعاب والأنشطة المسلية والوسائل التعليمية المناسبة لتسهيل توصيل المعلومة للطفل، وتعزيز مبدأ الأمان لديه، ومساعدته على التعرف والإبلاغ عند شعوره بالخوف أو التعرض لسلوك غير مريح.
شاهد أيضًا: اكتشفي أخطاء الآباء التي تدمر ثقة الأطفال بأنفسهم
نصائح لوقاية الأطفال من التعرض للتحرش أو الاستغلال الإلكتروني
- اطلب من طفلك استخدام الإنترنت في نفس الغرفة معك أو اجعل استخدام الأجهزة الإلكترونية في أماكن المعيشة المشتركة.
- خصص أوقات معينة من اليوم لاستخدام الإنترنت واتفق مع طفلك على المواقع التي سيتم استخدامها أو التواصل من خلالها مع المدرسين أو الزملاء.
- اجعل لغة تواصل مفتوح بينك وبين طفلك تحدث معه على خطورة التواصل مع أشخاص لا نعرفهم ولا نعرف نواياهم اتجاهنا.
- تعرف على أصدقاء طفلك على الإنترنت وراقب ما إذا كان يتم تبادل محادثات أو صور أو محتوى جنسي.
- ضع قواعد أساسية لاستخدام الإنترنت بطريقة آمنة وتفعيل آليات الحماية الذاتية وإعدادات الأمان على أجهزة ومواقع التواصل الإلكتروني.
- علم طفلك عدم مشاركة معلوماته الشخصية عبر الإنترنت مثل اسمه وبريده الإلكتروني.
- عدم قبول طلبات الصداقة من أشخاص لا يعرفهم .

لماذا قد لا يخبر الطفل أهله بتعرضه للتحرش الجنسي؟
كثير من حالات التحرش الجنسي بالأطفال قد تحدث دون أن يفصح الطفل عما حدث معه لأسباب عدة، منها على سبيل المثال:
التعرض للخوف أو التهديد
- قد يقوم المعتدي بتهديد الطفل أو ابتزازه إذا أخبر الأهل بما تعرض له.
- قد يشعر الطفل بالخوف من رد فعل الأهل أو التعرض للعقاب منهم.
- قد يشعر الطفل بالقلق من حدوث مشاكل داخل الأسرة.
- خوف الطفل من أن لا يصدّقه الأهل أو مقدمي الرعاية له في المدرسة أو النادي خاصة إذا كان المعتدي شخص معروف.
- تعرُض الطفل لتجارب سابقة لم يتم فيها الاستماع له بجدية أو تصديقه.

الشعور بالذنب أو الارتباك
- قد يقوم المعتدي بإقناع الطفل أنه ارتكب خطأ يجب عليه اخفاءه عن الآخرين.
- قد يشعر الطفل بالخجل أو الحرج من التحدث عما حدث معه.
- قد لا يدرك الطفل أن ما تعرض له من اعتداء جنسي هو سلوك غير طبيعي.
- صعوبة التعبير عن المشاعر أو الأحداث خاصة عند صغر السن ونقص الوعي.
التلاعب النفسي من المعتدي
- قد يقوم المعتدي بإقناع الطفل بأن ما تعرض له من تحرش جنسي ما هو إلا لعبة سرية.
- قد يقوم بتقديم الهدايا والتودد للطفل للتقرب منه وكسب ثقته.
- قديجعل الطفل يشعر بأنه مسؤول عما حدث ويقنعه أن لا يبوح به لأحد.
شخصية المعتدي.. هل من الغرباء أم من المقربين؟
يعتقد بعض الأهل أن خطر التحرش الجنسي بالأطفال يأتي فقط من الغرباء، لكن تشير الدراسات والتجارب الواقعية أن المعتدي غالبًا ما يكون من الدائرة المحيطة بالطفل سواء من الأقارب، أو الأصدقاء، أو الجيران، أو المعلمين، أو مقدمي الرعاية في المدرسة أو النادي.. إلخ وتشير بيانات التوعية الجنائية والوقاية من العنف إلى أن أكثر من 90% من الأطفال الذين تعرضوا للتحرش أو الأعتداء الجنسي يعرفون الشخص المعتدي بشكل ما.
لذا يجب على الأهل توخي الحذر والعمل على توعية الأطفال بأساليب الحماية الشخصية ومتابعة البيئة المحيطة بهم وتعزيز التواصل الآمن والمفتوح معهم دون نشر الهلع أو الشك المبالغ فيه.
شاهد أيضًا: كيف تبني قائدًا؟ أساليب تربوية لتنمية المهارات القيادية
ماذا أفعل إذا اكتشفت تعرض طفلي للتحرش الجنسي؟
- تجنب رد الفعل الغاضب أو الصادم والتحدث بهدوء مع الطفل لمعرفة تفاصيل ما حدث معه.
- اتخاذ موقف حازم مع المعتدي وتبليغ من يتولى الأمر بواقعة الإعتداء لاتخاذ الإجراء المناسب، خصوصًا إذا كانت الواقعة في المدرسة أو النادي أو أي مكان آخر.
- إذا كان التحرش الجنسي بطفلك تسبب له بأذى جسدي مباشر عليك التحدث معه بهدوء لعرضه على طبيب متخصص لمعرفة نتيجة الإعتداء واتخاذ خطوات العلاج المناسبة.
- التحدث مع طفلك بهدوء لتعلم منه ما إذا كان الاعتداء الذي تعرض له قد أثر على صحته النفسية إلى حد يستلزم منك عرضه على طبيب نفسي للتدخل العلاجي.
- اتخاذ إجراء قانوني حيال ما تعرض له طفلك وتحرير شكوى للجهات المختصة ليتلقى المعتدي جزاءه، فالصمت عن مثل هذه الاعتداءات يزيد من خطر تعرض أطفالك وأطفال الآخرين لها.
- يجب عليك عدم الخوف من نظرة المجتمع فالمعتدي يستغل هذه المشاعر السلبية للقيام بأفعاله.
شاهد أيضًا: التربية الجنسية للأطفال: دليل شامل للآباء لحماية الأبناء وبناء وعي صحي
حماية الأطفال من التحرش مسؤولية إنسانية وأخلاقية تتطلب نهجا متعدد الأوجه تشارك فيه الأسرة، والمجتمع، والمؤسسات التعليمية والتربوية. يجب على الأهل ومقدمي الرعاية للأطفال في جميع المؤسسات التأكيد على أهمية التوعية المبكرة للأطفال حول أجسادهم وحقوقهم وتعزيز التواصل المفتوح داخل الأسرة لبناء الثقة وتسليط الضوء على مراقبة البيئة المحيطة بالأطفال سواء في أماكن تواجدهم أو العالم الافتراضي من خلال الإنترنت، وتعليم الأطفال مهارات الدفاع عن النفس وحفظ الخصوصية. وتوعية الأهل والمسؤولين عن الأطفال في جميع المؤسسات بكيفية التعرف على علامات التحرش الجنسي بالأطفال والتعامل معها والتدخل السريع عند الاشتباه أو وقوع الاعتداء. يجب على أفراد المجتمع التكاتف لنشر الوعي وتفعيل الإجراءات الوقائية الفعالة في المدارس والمؤسسات ودور العبادة لضمان بيئة آمنة وداعمة لنمو الأطفال.
ملخص المقال بالذكاء الاصطناعي