بالإضافة إلى الجراحة والعلاج الإشعاعي، يعد العلاج الكيميائي للسرطان واحدًا من الطرق الرئيسية للعلاج. وهو يشمل علاج الأورام الخبيثة بمواد كيميائية تعرف باسم “عوامل العلاج الكيميائي” أو “عوامل التثبيط الخلوي”، والتي تؤثر على دورة تكاثر الخلايا السرطانية. ويتم إعطاء المكونات الفعالة للعلاج الكيميائي على شكل حقن أو أقراص.
انضم إلى قناة بابونج المجانية على الواتساب نصيحة صحية يومية للحصول على نصائح طبية متنوعة يوميًا.
ما المقصود بالعلاج الكيميائي؟
يعزى إلى بول إيرليش (1854-1915) الحائز على جائزة نوبل في الطب عام 1908 وضع مفهوم العلاج الكيميائي بشكل عام، بينما تطور العلاج الكيميائي للسرطان لاحقًا، وقد كان بول إيرلش أول من استخدم هذا المصطلح. إلا أنه لم يقصد الأدوية التي تعالج السرطان، بل قصد المكونات الفعالة (المواد الكيميائية) التي تساعد في علاج الأمراض المعدية. وقد تم اعتماد طريقته في اختبار المواد الفعالة الطبيعية لمعرفة تأثيراتها وتطويرها صناعيًا كأدوية مضادة للسرطان في منتصف القرن العشرين. وكما هو الحال مع العلاج الكيميائي الذي يقضي على العوامل الممرضة مثل البكتيريا أو الفطريات، يجب ألا يسبب العلاج الكيميائي للسرطان ضررًا كبيرًا على الخلايا السليمة، في حين يجب أن يكون له تأثير مثبط يمنع تكاثر وانقسام الخلايا السرطانية.
تأثير العلاج الكيميائي على الخلية
- يُقصد بالعلاج الكيميائي في هذه الحقبة الزمنية استخدام أدوية خاصة لمهاجمة الأورام الخبيثة، إذ تعمل هذه الأدوية على التأثير في آلية انقسام الخلايا السرطانية وتعطيل قدرتها على التكاثر. وتُعرف هذه الأدوية طبيًا بعوامل العلاج الكيميائي أو مثبطات نمو الخلايا.
- تستهدف هذه المواد الفعالة بالدرجة الأولى المادة الوراثية داخل الخلايا التي تمر بمرحلة الانقسام النشط، أي الخلايا التي تتكاثر بسرعة.
- تنقسم بعض الخلايا السليمة في الجسم هي الأخرى بشكل طبيعي؛ وبالتالي فقد تتأثر هي أيضًا بالعلاج. ومع ذلك، يكون تأثير الأدوية أشد وضوحًا على الخلايا التي تنقسم بوتيرة سريعة جدًا.
- تتميز الكثير من الخلايا السرطانية بسرعة تكاثرها مقارنة بالخلايا الطبيعية؛ وبالتالي فإنها تكون أكثر حساسية وتأثرًا بالعلاج الكيميائي.
تأثير العلاج الكيميائي للسرطان على الجسم كله
على عكس العلاج الجراحي والعلاج الإشعاعي للسرطان، يسبب العلاج الكيميائي لمرضى السرطان تأثيرًا على الجسم بأكمله، حيث يتم وصول المكونات النشطة التي يتم تناولها على شكل أقراص أو حقنها على كل أعضاء الجسم؛ وبالتالي يستطيع العلاج أن يصل إلى الخلايا السرطانية في أي مكان وتدميرها. الاستثناء الوحيد هو الدماغ، حيث يمكن أن يمنع “الحاجز الدماغي الدموي” وصول العلاج إلى المناطق المتضررة في الدماغ.
النتيجة هي أن العلاج الكيميائي للسرطان يمتلك تأثيرًا على كامل الجسم، وهذا على عكس الجراحة والعلاج الإشعاعي، اللذان لهما تأثير موضعي فقط، لذلك، يكون للعلاج الكيميائي فائدة كبيرة في المراحل المتقدمة من مرض السرطان، أي عندما تنتشر الخلايا السرطانية في أماكن عدة من الجسم، لكن حتى في المراحل المبكرة من السرطان، يمكن استخدام العلاج الكيميائي، على سبيل المثال، يمكن أن يستخدم لعلاج الأورام السرطانية التي لا تظهر عن طريق التصوير الشعاعي ولا يمكن تحديد مكانها، أيضًا، هناك إجراء يعرف باسم “العلاج الكيميائي المحلي”، حيث يتم إعطاء العلاج الكيميائي لإحداث تأثيرات مباشرة على أنسجة الورم. من الأمثلة على ذلك حقن المكونات النشطة في الكبد عبر شريان الكبد، حيث تعمل هذه المكونات لعلاج سرطان الكبد.

ما هي أدوية العلاج الكيميائي للسرطان المتوفرة حاليًا؟
يوجد أكثر من 50 دواءً مختلفًا يثبط انقسام الخلايا (عوامل التثبيط الخلوي) والمتاحة لعلاج مرض السرطان. كل نوع من هذه الأدوية يستخدم لمهاجمة الخلايا السرطانية في مراحل مختلفة من دورة حياة الخلية. لذلك، أثناء العلاج، غالبًا ما يتم دمج العديد من الأدوية مع بعضها البعض للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الخلايا السرطانية في مراحل نموها وتكاثرها المختلفة وتثبيطها.
من الأمثلة على أدوية العلاج الكيميائي للسرطان نذكر التالي:
عوامل الألكلة (Alkylating Agents)
تعتبر هذه المجموعة من العقاقير من أقدم أدوية التثبيط الخلوي المستخدمة لعلاج السرطان. تتحد المواد الفعالة فيها مع المادة الوراثية (DNA) الموجودة في نواة الخلية. نتيجة لذلك، تصبح خيوط الخلية السرطانية إما مترابطة بشكل وثيق أو مفككة. هذا يمنع تمرير المعلومات الوراثية أثناء انقسام الخلية.
مضاد المستقلب (Antimetabolite)
هذه مادة كيميائية تعمل على تثبيط المستقلب (وهو مادة كيميائية لها دور في عمليات الأيض)؛ وبالتالي فهي تؤثر على عمليات التمثيل الغذائي. هذا يمنع الانقسام الطبيعي للخلايا.
الأنثراسيكلينات (Anthracyclines)
يتم الحصول على فئة الأدوية هذه من بكتيريا المتسلسلة. وهي تُحدث تلفًا في الحمض النووي من خلال تثبيط إنزيم التوبويزوميراز الثاني. يطلق عليها الأطباء اسم “المضادات الحيوية للأورام”، لإنها تفكك المادة الجينية في الخلايا السرطانية، وذلك على غرار المضادات الحيوية التقليدية التي تقتل البكتيريا، وهي تتميز بقدرتها على قتل الخلايا السرطانية حتى إذا كانت هذه الخلايا ليست في مراحل الانقسام الخلوي. لذا فإنها تكون فعالة بشكلٍ كبير، لكنها تسبب أيضًا العديد من التأثيرات الجانبية.

التاكسينات (Taxane)
التاكسانات هي مواد كيميائية تستخرج من لحاء شجرة الطقسوس؛ لذا تعد واحدة من مثبطات الخلايا ذات المصدر النباتي، تعمل هذه المواد الكيميائية على تعطيل الأنابيب الدقيقة. الأنابيب الدقيقة ضرورية لانقسام الخلايا، فهي تضمن توزيع التركيب الوراثي بالتساوي بين الخليتين الوليدين. تقوم التاكسانات بتعطيل خيوط الأنابيب الدقيقة مما يوقف عملية الانقسام الخلوي.
شاهد أيضًا: أحدث أساليب علاج السرطان ونصائح لزيادة فرص الشفاء
القلويّات العناقيّة (Vinca alkaloid)
تنتمي هذه الأدوية إلى فئة عوامل التثبيط الخلوي ذات المصدر النباتي، يتم الحصول عليها من عناقية مدغشقر، وهي تعمل على تعطيل الأنابيب الدقيقة وبالتالي تمنع عمليات انقسام الخلايا.
متى يتم اللجوء إلى استخدام العلاج الكيميائي للسرطان؟
بالنسبة لمعظم الأورام الخبيثة، يتم الجمع بين الأدوية التي تمنع انقسام الخلايا (العلاج الكيميائي) وعلاجات أخرى مثل الجراحة أو العلاج الإشعاعي. في البداية، يتم اللجوء إلى الجراحة والعلاج الإشعاعي للتخلص من الورم، وبعد ذلك، يعمل العلاج الكيميائي للسرطان على التخلص من أي بقايا للورم الخبيث ومنع وانقسام وتكاثر الخلايا السرطانية المتبقية.
يمكن أيضًا استخدام العلاج الكيميائي للسرطان قبل تطبيق العلاج الجراحي أو العلاج الإشعاعي. في هذه الحالة، يهدف العلاج الكيميائي في المقام الأول إلى تقليل حجم الورم؛ مما يسهل العلاج الجراحي أو العلاج الإشعاعي.
هناك شكل خاص من العلاج الكيميائي يتضمن جرعة عالية من المواد الكيميائية ثم زرع الخلايا الجذعية في نقي العظام، يستخدم هذا العلاج لعلاج مرض سرطان الدم. حيث تؤدي الجرعات العالية من العلاج الكيميائي إلى تدمير نخاع العظم عند المريض. ثم يتلقى المريض الخلايا الجذعية المكونة للدم من شخص متبرع (زرع الخلايا الجذعية الخيفي) أو يتلقى الخلايا الجذعية التي يتم استخلاصها من جسمه قبل تطبيق العلاج الكيميائي (زرع الخلايا الجذعية الذاتي)، وذلك على أمل أن تستقر الخلايا الجذعية وتتكاثر في نخاع العظم.

كيف يتم تطبيق العلاج الكيميائي؟
- تعتمد طريقة وكيفية إجراء العلاج الكيميائي للسرطان على عوامل مختلفة، والتي يتم تحديدها حسب حالة كل مريض.
- لا يتم استخدام عامل كيميائي واحد فقط في كثير من الأحيان، بل يُستخدم مزيج يتضمن العديد من عوامل التثبيط الخلوي التي يكون لكل منها تأثير وألية عمل خاصة. يجب أن يؤدي ذلك إلى زيادة فرص العلاج بأقل عدد ممكن من الآثار الجانبية.
- يتم إجراء العلاج الكيميائي للسرطان على فترات تسمى الدورات، ويكون هناك فترة راحة علاجية بين كل دورة. في الدورة، يتم إعطاء عوامل التثبيط الخلوي في يوم واحد أو أكثر. يتبع ذلك استراحة من العلاج لعدة أيام أو أسابيع أو أشهر. أثناء فترة الراحة، يجب أن يعيد الجسم تجديد الأنسجة الطبيعية والسليمة التي تعرضت لتأثير العلاج الكيميائي، في العادة، تتعافى الأنسجة السليمة من العلاج الكيميائي بسرعة أكبر من أنسجة الورم.
- يتم تطبيق 4 – 6 دورات من العلاج الكيميائي للسرطان في معظم الحالات، حيث يتم في كل دورة استهداف الخلايا السرطانية التي لم يكن من الممكن استهدافها في الدورات السابقة، وذلك لأنها كانت في فترة راحة ولا تنقسم أو تتكاثر. أي أن الدواء لم يكن قادرًا على التأثير عليها.
شاهد أيضًا: العلاج الإشعاعي للسرطان: الفوائد والأنواع والنصائح قبل وأثناء الجلسات
ما هي أضرار العلاج الكيميائي على الجسم؟
لا يكون تأثير العلاج الكيميائي للسرطان مدمرًا للخلايا السرطانية فحسب، بل إنه يؤثر أيضاً على جميع الخلايا الأخرى التي تنقسم بشكلٍ طبيعي بسرعة، مثل الخلايا الموجودة في الغشاء المخاطي أو جذور الشعر أو نخاع العظام. تشمل التأثيرات حدوث ما يلي:
- اضطرابات في الجهاز الهضمي، مثل: التهاب الغشاء المخاطي للفم، والغثيان، والتقيؤ، وفقدان الشهية، والإسهال، وآلام البطن.
- تغيرات في الدم أو فقر الدم أو اضطرابات تخثر الدم، بالإضافة إلى زيادة احتمال الإصابة بالأمراض نتيجة انخفاض عدد خلايا الدم البيضاء.
- فقدان الشعر.
- الشعور بالتعب والإرهاق المستمر.
- عدم القدرة على التركيز وضعف الذاكرة.
- اضطرابات الدورة الشهرية عند النساء.
- تلف الغدد التناسلية واضطرابات القدرة الإنجابية عند النساء والرجال.
- زيادة خطر الإصابة بأنواع أخرى من السرطان.
يمكن أن تبدأ الآثار الجانبية بالظهور في غضون ساعات أو أيام قليلة بعد بدء العلاج، لكنها قد تظهر خلال شهور أو حتى سنوات. تعتمد الآثار الجانبية التي تحدث لكل مريض على نوع عوامل التثبيط الخلوي المستخدمة في العلاج والجرعة ومدة العلاج، كما تلعب الصحة العامة للمريض دورًا أيضًا.
يمكن منع العديد من الآثار الجانبية أو التخفيف منها على الأقل من خلال التدابير المصاحبة للعلاج الكيميائي (العلاج الداعم). كما تتوفر أدوية تساعد في منع أو تخفيف الشعور بالغثيان والتقيؤ أو تدعم تجديد خلايا الدم.
نصائح لتخفيف آثار العلاج الكيميائي للسرطان
- احرص على تناول وجبات خفيفة ومتوازنة لدعم الجسم أثناء العلاج الكيميائي، مع تقسيم الطعام إلى كميات صغيرة لتقليل الغثيان.
- اشرب كمية كافية من الماء والسوائل للحفاظ على ترطيب الجسم وتعويض ما يفقده.
- خذ قسطًا كافيًا من الراحة، فالتعب من الآثار الشائعة بعد جلسات العلاج الكيميائي.
- مارس نشاطًا بسيطًا مثل المشي الخفيف إذا سمح الطبيب، فهذا يساعد على تحسين الطاقة والحالة النفسية.
- التزم بالأدوية الموصوفة للغثيان أو الألم في مواعيدها دون تأخير.
- اهتم بالنظافة الشخصية وتجنب الأماكن المزدحمة لتقليل خطر العدوى عند ضعف المناعة.
- لا تتردد في استشارة الطبيب عند ظهور أي أعراض غير معتادة أثناء فترة العلاج الكيميائي.

يجري حاليًا تطوير علاجات كيميائية واختبارها سريريًا، هذا النوع من العلاج الكيميائي للسرطان من المفترض أن يكون له تأثير خاص، فهو تؤثر بشكلٍ أساسي على الخلايا السرطانية ويترك الخلايا السليمة دون أي تأثر. من الأمثلة على ذلك يجري تطوير أنظمة توصيل دوائية موجهة ونانوية تستهدف الخلايا السرطانية بشكل انتقائي دون الإضرار بالخلايا السليمة
من المتوقع أيضاً تطوير تحسينات بفضل دراسات تسمى “دراسات تحسين العلاج”. إنها دراسات تبحث في مواد التثبيط الخلوي التي يمكن دمجها مع بعضها البعض لتحقيق أفضل كفاءة في العلاج بأقل نسبة من الأعراض الجانبية.