تتداخل الصحة النفسية والجسدية بشكل وثيق، بحيث يؤثر كل منهما على الآخر بطريقة مباشرة ومعقدة. فالتوتر والقلق المستمران لا يؤثران فقط على المزاج والسلوك، بل يمكن أن يضعفوا جهاز المناعة ويزيدوا من خطر الإصابة بالأمراض القلبية، ويؤثروا على جودة النوم والهضم. بالمقابل، فإن العناية بالجسم من خلال التغذية السليمة، والنشاط البدني، والنوم المنتظم، يعزز الصحة النفسية ويقلل من مستويات التوتر والاكتئاب. هذا الترابط يجعل من الضروري النظر إلى الإنسان ككائن متكامل، حيث لا يمكن فصل العقل عن الجسد في سعيه نحو الصحة والرفاهية.
انضم إلى قناة بابونج المجانية على الواتساب نصيحة صحية يومية للحصول على نصائح طبية متنوعة يوميًا.
ما هو المقصود بالصحة النفسية والصحة الجسدية؟
إن الصحة الجسدية (بالإنجليزية: Physical Health) تعني قدرة أعضاء الجسم على أداء وظائفها بشكل متكامل، أما الصحة النفسية (بالإنجليزية: Mental Health) فهي لا تعني فقط عدم معاناة الشخص من بعض الاضطرابات مثل القلق والاكتئاب، لكنها تعني قدرة الشخص على الاستمتاع بالحياة مع الشعور بالأمان، والقدرة على تحقيق التوازن بين عناصر الحياة المختلفة.
العلاقة بين الصحة النفسية والجسدية
يوجد ارتباط وثيق بين الصحة النفسية والصحة الجسدية ويرجع ذلك إلى الأسباب التالية:
- يتصل الدماغ والقلب بشبكة من الأعصاب، تسمى الجهاز العصبي السمبثاوي والباراسمبثاوي.
- يعمل الجهاز العصبي السيمبثاوي وكأنه دواسة الوقود، بينما يعمل الجهاز العصبي الباراسمبثاوي وكأنه دواسة الفرامل؛ وبالتالي يوجد بينهما تناغم لتحقيق التوازن في الجسم، لكن الأمراض النفسية أو الأمراض الجسدية تؤثر سلبًا على هذا التناغم، ونتيجة لذلك فإن الأمراض الجسدية قد تسبب الأمراض النفسية، والعكس صحيح.
- تتاثر الصحة الجسدية بالفعل عند تشخيص الإصابة ببعض الأمراض النفسية، حيث أنها تسبب انخفاض رغبة الشخص بالاهتمام بصحته عمومًا، مما يؤدي إلى عدم اكتشاف أية أمراض جسدية في بداية ظهورها.
- يتسبب تلقي الشخص للعلاج النفسي في جعل مقدمي الرعاية الصحية يعتقدون بأن أية أعراض جسدية يعاني منها الشخص هي مرتبطة بمرضه النفسي أو هي عبارة عن الآثار الجانبية للأدوية التي يتناولها؛ مما يؤخر اكتشاف الأمراض الجسدية الفعلية أو يسبب تفاقمها.

تأثير الأمراض الجسدية على الصحة النفسية
إن الإصابة بالأمراض الجسدية تؤثر تأثيرًا مباشرًا على الصحة النفسية والحالة المزاجية، ومن الحالات المرضية الجسدية التي تؤثر سلبًا في الصحة النفسية للشخص ما يأتي:
- مرض الصدفية: تعد الصدفية مرضًا جلديا يسبب قرح حمراء اللون على سطح الجلد، وهي ترتبط ارتباطا وثيقا بإصابة الشخص بالاكتئاب نتيجة الضغوط النفسية والعاطفية التي يتعرض لها، وإحساسه الدائم بالرفض والقلق بسبب مظهره الخارجي.
- النوبة القلبية: قد يؤدي تشخيص الإصابة بالنوبة القلبية إلى الشعور بالإحباط والقلق؛ مما ينتج عنه الاكتئاب والإصابة بمشاكل النوم.
- السرطان: قد يؤدي تشخيص الإصابة بالسرطان إلى الإصابة بالاكتئاب وفقدان الاهتمام بممارسة أي نوع من أنواع الأنشطة.
تأثير القلق والاكتئاب على وظائف الجسم
إن البقاء في حالة نفسية جيدة يساهم في الحفاظ على الصحة العامة والوقاية من الإصابة بالعديد من الأمراض المزمنة والخطيرة مثل؛ النوبات القلبية والسكتة الدماغية، وهذه بعض الأمثلة التي تبين تأثير الصحة النفسية على الصحة الجسدية:
- القلق: قد تؤدي الإصابة بالقلق إلى اضطرابات في المعدة، والأرق، وصعوبة التركيز.
- الاكتئاب: إن الإصابة بمرض الاكتئاب يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، ومرض السكري، والتهاب المفاصل، والربو، والصداع، والإرهاق، ومشاكل الجهاز الهضمي، والسرطان.
- الفصام: قد يسبب مرض الفصام زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والجهاز التنفسي.
- متلازمة القلب المنكسر: قد يؤدي الاستماع إلى أخبار سيئة أو مفاجئة إلى الإصابة بمتلازمة القلب المنكسر، وهي حالة تتطلب الرعاية الطبية على وجه السرعة، خاصة أن أعراضها تتشابه مع النوبة القلبية.
- مشاكل النوم: إن الإصابة ببعض الأمراض النفسية مثل الاكتئاب، والقلق، واضطراب ثنائي القطب يزيد من فرص الإصابة بمشاكل النوم مثل الأرق.
- التدخين: إن مرض الاكتئاب يسبب انخفاض مستوى مادة الدوبامين الكيميائية في الجسم، ويؤثر الدوبامين على العقل لأنه يحفز التفكير الإيجابي، وبما أن النيكوتين المتواجد في السجائر يحفز إنتاج الدوبامين فإن التدخين يعالج أعراض الاكتئاب بشكل مؤقت، وبذلك فإن تناول المزيد من السجائر يعمل على تحسين الحالة النفسية والمزاجية، لكنه يزيد من فرص الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي، وأمراض القلب والأوعية الدموية.

نصائح للحفاظ على الصحة النفسية والجسدية يوميًا
يمكن اتباع عدة طرق لتحسين الصحية النفسية والجسدية، وهي كالتالي:
نظام غذائي صحي
إن اتباع نظام غذائي صحي ومتوازن غني بالفواكه، والخضروات، والبروتين، والكربوهيدرات المعقدة، والماء، وقليل السكريات والدهون المصنعة يؤدي إلى تحسين الحالة المزاجية والصحة العامة، لكن ينبغي استشارة الطبيب عن أفضل نظام غذائي نظرًا لأنه يختلف من شخص إلى آخر.

ممارسة الرياضة
إن ممارسة التمارين الرياضية بانتظام يحافظ على اللياقة البدنية، لكن تأثيرها لا يقتصر على ذلك فحسب بل أن ممارستها حتى وإن كان المشي السريع لمدة 10 دقائق فقط يسبب زيادة إنتاج المخ لمادة الإندروفين وهي مادة كيميائية تحفز الشعور بالسعادة.
النوم
إن الحصول على قسط جيد من النوم يتراوح بين 7-9 ساعات يوميًا يساهم في الشعور باليقظة ويزيد من قدرة الجسم على ممارسة كافة الأنشطة خلال ساعات الاستيقاظ، كما يفضل أخذ قيلولة خلال النهار لمدة 30 دقيقة يوميًا.
تقنيات الاسترخاء
إن ممارسة تقنيات الاسترخاء مثل تمارين اليوغا يؤدي إلى الشعور باليقظة الذهنية كما أنها تعمل على تحسين صحة القلب والأوعية الدموية.
شاهد أيضًا: فوائد ممارسة اليوغا يوميًا للصحة العقلية والجسدية
التفكير الإيجابي
ينبغي التركيز على الأفكار الإيجابية وتجنب الأفكار السلبية قدر الإمكان، وقد يبدو ذلك صعباً في بدايته لكنه أولا وأخيراً ممارسة عقلية تحتاج إلى تمرين، وبعدها سيعتاد العقل عليها.
تقليل المخاطر
يمكن تقليل المخاطر عن طريق الحفاظ على النظافة الشخصية دائمًا، وأخذ جميع اللقاحات الموصى بها للوقاية من الإصابة بالعديد من الأمراض.
الإقلاع عن العادات السيئة
يعتقد الكثيرون أن تدخين السجائر، وتناول الكحول، والمخدرات يحسن الحالة المزاجية بشكل كبير، لكن يعد تأثير كل هذه العادات السيئة قصير المدى، كما أنها عادات مدمرة للصحة ومسببة للوفاة، ولذلك يجب تجنبها والامتناع عنها تمامًا.

طلب الدعم
لا بد من طلب الدعم من الأهل والأصدقاء المقربين عند الشعور بالعجز عن التخلص من القلق والتوتر أو عند التعرض لمواقف حياتية صعبة، منعًا للدخول في دائرة المرض النفسي وما يتبعها من أمراض جسدية أيضًا.
شاهد أيضًا: الأمراض الجسدية ذات المنشأ النفسي
تتجلى أهمية الصحة النفسية والجسدية في كونها حجر الأساس لرفاهية الإنسان وجودة حياته. فالعقل والجسد مرتبطان بشكل وثيق، وتأثير أحدهما ينعكس مباشرة على الآخر، سواء من ناحية الأداء اليومي أو الوقاية من الأمراض. من خلال الاهتمام بالنوم، والتغذية السليمة، والنشاط البدني، وإدارة التوتر، يمكن للإنسان تعزيز صحته النفسية والجسدية معًا. كما أن الوعي بأهمية العلاقة بين العقل والجسد يساعد في تبني أساليب حياة صحية، وتقليل الضغوط النفسية، والحفاظ على التوازن النفسي والجسدي. لذلك، فإن الاستثمار في تحسين الصحة النفسية والجسدية ليس رفاهية، بل ضرورة للحياة اليومية وتحقيق التوازن والاستقرار النفسي والجسدي